السيد محسن الأمين

50

أعيان الشيعة ( الملاحق )

المسلمين كافة على أن ما بين الدفتين منزل منه تعالى ( اما دلالته ) ففيه المحكم والمتشابه أو المجمل والمبين ( فالمحكم ) ما يكون ظاهر الدلالة ويسمى المبين ( والمتشابه ) ما يكون غير ظاهر الدلالة بل المعاني فيه على السواء في الاحتمال ويسمى المجمل ( ثم المبين ) قسمان ( النص ) وهو ما لا يحتمل الخلاف ( والظاهر ) وهو الراجح مع احتمال الخلاف . ويسمى المرجوح المقابل للظاهر ( المؤل ) . وفي الكتاب أيضا العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ . ولا يجوز الاحتجاج من الكتاب بغير النص والظاهر الا ما بينته السنة بعد ثبوتها أو الإجماع . كما لا يجوز العمل بالعام أو المطلق الا بعد الفحص عن الخاص أو المقيد ولا بالدليل الا بعد الفحص عن معارضه أو ناسخه لأن الدليل لا يكون دليلا بدون ذلك . وبسبب وجود هذه الأقسام الكثيرة في القرآن وغيرها أمكن لكل ذي قول حقا كان أو باطلا ان يستند في صحة قوله إلى ظاهر آية من القرآن . فربما استند إلى الحقيقة وغفل عن قرينة المجاز أو المطلق أو العام وغفل عن المقيد أو الخاص إلى غير ذلك ( وقد ) جمع أحمد بن محمد بن المظفر الرازي من أعيان القرن السابع ومن علماء أهل السنة كتابا سماه ( حجج القرآن ) ذكر فيه من الآيات ما يمكن ان تحتج به كل فرقة لمذهبها وأقوالها المتباينة المتناقضة . ونحن نذكر مثالا من ذلك من جملة ما ذكره وما لم يذكره ( فالوعيدية ) المنكرون للعفو الموجبون المؤاخذة على المعاصي يمكنهم الاستدلال بآية . ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ( والوعيدية ) القائلون برفع المؤاخذة بالكلية وان الله لا يعاقب على المعصية لهم الاستناد إلى آية . ( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) ( والمثبتون ) للرؤية في الآخرة استندوا إلى آية . ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) ( والنافون ) إلى قوله : ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) . لَنْ تَرانِي ( والجبرية ) إلى آيات كثيرة مثل : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ * . قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ . يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ * . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ * . فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ) ( والعدلية ) إلى مثلها كقوله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ . أو للعالمين . سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا ( الآية ) . فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا * . قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً ) ( والقائلون بالتجسيم ) على الحقيقة بالجهة يستندون إلى الآيات التي فيها اليد والعين والوجه ( والنافون ) إلى آية : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ( والمجوزون المعصية على الأنبياء ) إلى آيات : ( وَعَصى آدَمُ . وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ( الآية ) . فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ . سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) ( والنافون ) إلى آية : ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) والقائلون بخطاب الكفار بالفروع ) إلى عموم : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) ( والنافون ) بخطاب : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) * ( والوهابية ) استدلوا على عدم جواز دعاء غير الله والتشفع بغيره والاستغاثة به بآية : ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً . لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) وغيرهم بآية : ( فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ( الآية ) . يا أبت اسْتَغْفِرْ لَنا . وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ . أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ) . 50 الثالث السنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره وشرط الاحتجاج بالفعل ظهور الوجه فلو فعل المعصوم شيئا وجهل وجهه علم عدم تحريمه مع تردده بين الوجوب والندب والكراهة ولم يثبت واحد منها ولا تثبت السنة لنا الا بالخبر المتواتر وهو اخبار جماعة كثيرة يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب أو المحفوف بقرائن توجب القطع بصدوره ولا يثبت بخبر الفاسق ولا مجهول الحال لعدم إفادته العلم وعدم الدليل على حجيته بل الدليل قائم على عدمها من قوله تعالى : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) ( الآية ) والنهي عن اتباع الظن ( اما خبر الثقة العدل ) مع عدم إفادته العلم فقد اختلف في حجيته فمنعها قوم لأصالة عدم حجية الظن وأثبتها آخرون واستدلوا بأدلة مذكورة في الأصول ( وعلى ) القول بحجيته لا بد من ثبوت العدالة اما بالعلم أو شهادة عدلين وفي كفاية العدل الواحد خلاف ( والعدالة ) ملكة تبعث على اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر وترك منافيات المروءة الكاشفة عن عدم مبالاة فاعلها بالدين ( وإثبات ) عدالة من بعد عنا زمانهم من أصعب الأمور لانحصار الأمر في علمنا بها في اخبار الغير وهو مفقود غالبا الا من اخبار البعض المستند على الظنون والاجتهادات التي تخطئ كثيرا لا على الممارسة والمعاشرة مع اختلاف الآراء فيما يوجب الجرح وما لا يوجبه ولذلك وقع الاختلاف كثيرا في الجرح والتعديل فما عدله واحد جرحه آخر والقاعدة ان الجرح مقدم على التعديل لجواز اطلاع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدل ( فعلم ) من هذا أن التسرع إلى القول بمضمون الخبر بمجرد وجوده في أحد كتب الحديث أو بمجرد قول واحد انه صحيح وتخطئة الغير بذلك فضلا عن الحكم بكفره أو شركه خطا محض ( ويشترط ) لجواز العمل بالخبر عدم مخالفته لدليل قطعي من إجماع المسلمين وسيرتهم أو نص القرآن أو نص خبر آخر متواتر بل وعدم مخالفته للمشهور بين علماء المسلمين مع كونه بمرأى منهم ومسمع وعدم معارضته بدليل أقوى منه بأحد الوجوه الآتية في الأمر الرابع ( والخبر ) فيه الأقسام السابقة في الكتاب كلها وما يحتج به من الكتاب من تلك الأقسام يحتج به من الخبر وما لا فلا ( ويشترط ) في العمل بالخبر ما اشترط في العمل بالكتاب مما مر في الأمر الثاني وبسبب وجود هذه الأقسام في الخبر أمكن لكل ذي قول حق أو باطل الاستناد إلى ظاهر رواية كما يعرفه المتتبع لأقوال العلماء وأدلتهم حتى أن البابية يحتجون على ضلالتهم بخبر ان المهدي يأتي بأمر جديد وقرآن جديد ( واتباع ) المسيح المهدي القادياني يحتجون على ضلالهم بخبر لا مهدي الا عيسى ( والحاصل ) ان كل من يريد العناد والعصبية فله مدرك يتشبث به من الكتاب أو السنة ما لم يكن له حاجب من تقوى الله والمنصف الطالب للحق لا يتمسك بظواهر الآيات والأحاديث ما لم يبحث عن معارضاتها من عقل أو نقل أو إجماع وما لم يبحث عن سند الحديث ويستفرغ الوسع في فهم معناه . الرابع الاخبار المتعارضة الواردة عن النبي ( ص ) كثيرة . وسبب التعارض إما كون بعضها مكذوبا فقد كثرت الكذابة على النبي ( ص ) في عصره حتى قام خطيبا فقال ما معناه قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار . وبعد عصره تقربا إلى الملوك وترويجا للأهواء ومحافظة على الدنيا من طريق الدين وغير ذلك . وخبر الذي روى للمهدي العباسي وكان